دور الأدب: تغريب المعروف من أجل فتح عوالم جديدة

ليزا سندفال

١٨ تشرين الأول، ٢٠١٨

على الرغم من أن بعض الناس لا يرون في الأدب إلا الترفيه والتسلية، إلا أنّ النثر والشعر يقدّمان للإنسان أكثر من هذا بكثير، فالعمل الأدبي - إذا كان عملاً جيداً - ذو مستويات المعاني المتعددة ويملك قوة خاصة له ليست موجودة في الأنواع الكتابة الأخرى المستخدمة في دراسات العلوم والتاريخ وغيرها. والاختلاف الأساسي بين الأدب وأنواع الكتابة الأخرى هي طريقة توصّل المعنى إلى القارئ، فالكتابة العادية تستهدف توصّل معناها بشكل مباشر حينما يطرح الأدب فكرتها بشكل ضمني، ومن الطبيعي أن التواصل الضمني أصعب الفهم من الكلام المباشر ويحتاج إلى وقت أطول وتفكير أشد من أجل تفسيره، إنما لدى الجهد المبذول في فهم الأدب ثواب عظيم، فإن المعنى الذي نحصل عليه من خلال تفسير الأعمال الأدبية أعمق وأثرى من غيرها ويفتح أذهاننا لعوالم جديدة وآفاق متمددة.       ء

وإحدى الطوارق التي من خلالها يفتح الأدب أذهاننا لعوالم جديدة هي تغريب المعروف وهذا استعمال أفكار أو كلمات أو مرجعيات أو مشاهد معروفة بطريقة تجعلها مختلفة أو جديدة ويجبر القارئ على أنه يعيد النظر فيها. على السبيل المثال، في قصته (عودة السيدة)، نبيل عبد الكريم يجعل القارئ يتخيل ويعيش تجربة انتظار الموت مع الشخصيتين الرئيسيتين، حيث يتحول شخصية الرجل في المعطف الأبيض مع رائحته الصحف القديمة من كونه المتوقع كممرض يحافظ على الحياة إلى رمز الموت الحتمي الذي يأتي في وقته دون نظام أو سبب. وفوق ذلك غالباً ما يرتبط موضوع الموت بشعور اليأس، إلا أن الكاتب يرسم صورة الأمل في وجه الموت ويجعلنا نتأمل كيفية الحفاظ على منظور متفائل حينما ندرك حتمية الموت وعدم إمكانية الفرار منه. فمثلاً يكتب نبيل عبد الكريم شخصية السيدة التي تعود من حالة قريبة من الموت، ولا يقول إن عودتها تجعل المتزوجين يأملان بعودة متشابهة للزوجة، وإنما يجعل القارئ يشعر بأمل وخوف المتزوجين. فالكاتب يستخدم أحداث وأوضاع يمكن التوقع أننا نعرفها جيداً غير أنه يطلب منا إعادة النظر فيها وإدراكها بطريقة مختلفة تماماً.       ء

ومن هنا فنتطرق إلى خصوصية أخرى للأدب، وهو إظهار الموضوع من خلال رسم صورة وصفية بالكلمات بدلاً من أن يقول الكاتب قصده أو رسالته بشكل مباشر. التقرير الذي يعلن نيته بشكل مباشر يفعّل المعاني ومفاهيم التي أدركناها من قبل ولهذا السبب يمكننا أن نقرأها بسرعة وباختصار، مع أنّ الأدب القوي يُظهِر معناه من خلال تصوير مشاهد وأحداث وشخصيات وحوار فإن قرائته تجربة من اللازم أن يعيشها القارئ بحواسه الخمسة. ولهذا يمكننا أن نمر بتجارب جديدة في القراءة لم نعِشها في حياتنا الواقعية. معلومات جديدة يمكننا أن ننساها ولكن التجارب التي نمر بها في الحياة كما في القراءة لا تُنسي بسهولة. مثلاًً، وحسب السياق، الكتابة أن شخصية حزنت بسمع خبر مؤين أضعف من تبيين ما فكّرت فيه ورأت وشمت وتذوّقت وسمعت حين وصول الخبر إليها. وهذه إحدى قوات الكاتب نبيل عبد الكريم فهو يُظهر مشاعر شخصياته من خلال وصف تجاربهم بدلاً من أن يقول بشكل حرفي ما تشعر به. وفي جانب آخر يضع أفكار وأحداث متناقضة في أماكن مجاورة مثل السيدة التي تعود وهي بجانب الزوجة التي من المحتمل أنها لن تعود. وطريقة الكتابة هذه تجعل القارئ يقرأ بعقله وقلبه، منطقه وشعوره في آن معاً.       ء

ولكن من الطبيعي أن الغوص من الفهم السطحي والحرفي إلى الفهم الأعمق ليس أمراً مسلَّماً بل يحتاج إلى تحليل وتفسير، وكذلك لدى الأدب إمكانية اختفاء معناه، كما نرى في قصص (كليلة ودمنة). وإلى جانب القصائد، معناها كثيراً ما يكون غامضاً ويحتاج إلى تحليل من أجل الحصول على قصدها الثري والعميق.       ء

            وواحد من أوائل الشعراء العرب الذين طوّروا فن رسم صور حية بكلماتهم وأيضاً أتقنوا تغريب المعروف من أجل تواصل معنى جديد في قصائده هو أمل دنقل، الشاعر المصري الذي عاش من ١٩٤٠ إلى ١٩٨٣. فقصيدته (كلمات سبارتكوس الأخيرة) مثلاً تقلّب مفهوم الله والشيطان في المرجعية الدينية الإسلامية رأساً على عقب، فيتحوّل الشيطان من الشر إلى الخير ومن المتمرد المضلل إلى الثائر الماجد، وتغيّر الملائكة من جوهر الطهارة إلى مثال الجبانة والله من خلاصة الكرم والحكمة إلى القيصر المظلم. فيقول الشاعر «المجد للشيطان» الذي «قال "لا" في وجه من قالوا "نعم"» وهم الملائكة ولهذا الفعل الشجاع الشيطان «لم يمت» بل «ظل روحاً». ولكن للثورة عقابها الثقيل فأدانه الله بـ «أبدية الألم». ففي هذه السطور القليلة الأولى للقصيدة، يؤسس الكاتب فكرة الثورة كفعل ذي قيمة وثمن عظيم كما أنها تجلب الويل للثوّار. وفوق ذلك كله يُبدل الكاتب معنى الموت والحياة فرغم شنق سبارتكوس إلا أنه يبقى حياً نوعاً ما لأن ذكراه مطبوع في أذهان الناس الذين يرونه في الميدان مثل الشيطان الذي «لم يمت» و«ظل روحاً».       ء

            وغالباً ما نظن أن ضرورة البقاء على قيد الحياة تبرر كل فعل يُقام به من أجلها، بيد أن سبارتكوس في القصيدة يقلب هذه الفكرة فيتواصل احتقاره للناس الذين يسعون البقاء في الحياة مهما كانت العواقب. فهو يقول بنبرة ساخرة: «والودعاء الطيبون \ هم الذين يرثون الأرض في نهاية المدى \ لأنهم .. لا يشنقون» وليس لأنهم فعلاً طيبون أو يستحقون البقاء أو حققوا شيئاً مهماً في حياتهم بل فقط لأنهم بقوا حيين. وبالنسبة للشاعر، لا يمكن احترام هؤلاء «الودعاء الطيبون»، فيقول: «والعنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى» لأن هؤلاء الرجال سيظلون على المشانق طويلاً كمثال للآخرين، ولكلمة (رجال) معنى الشجاعة والمجد. ولكن بالمقارنة، معظم الناس ينحنون أمام السلطة الفاسدة ويقبلون حمل صخرة سيزيف وبالتالي فهم جبناء، وما أسوئ البقاء في هذه الحالة! معاناة الودعاء شديدة ولا توجد مكافأة للانحناء أمام القيصر، فالاضطهاد والاستبداد لا ينتهيان إلا بالثورة: «لا تحلموا بعالمٍ سعيد \ فخلفَ كلِ قيصرٍ يموت: قيصرٌ جديد». إلا أن معظم الناس لا يمكنون القدرة على مواجهة السلطة الفاسدة، فمن الممكن أن الشاعر يتساءل إذا كان نصيب الثائر أن يكون وحيداً وإنْ كان كل ثورة ملعونة من بدايتها.       ء

            من خلال هذا التحليل نرى أن تقليب مفاهيمنا المعتادة يوفر مستويات المعاني الثمينة العديدة عن الحياة والموت والسلطة والثورة. وكذلك تتنوع أفكارنا عن المرجعية الديني عن الشيطان والملائكة ومعاملتهم مع الله وحتى معنى الله نفسه. استخدام الكاتب التقنيات الأدبية مثل وصف المشاهد والأحداث كي تثير الحواس الخمسية والمشاعر في القارئ وربط الأفكار بشكل جديد مثل الاستعارة، يجعل فهمنا للموضوع أعمق وأوسع. ويمكننا أن نتخيل أن هذا العمل يخلق صلات أعصاب جديدة في الدماغ ويجعلها أكثر مارنين. فلا بد من الإقامة بعمل تفسير الأعمال الأدبية، فثوابها، كثواب الثورة في قصيدة أمل دنقل، عظيم.       ء

ملاحظة: وضعت همزة بعد كل فقرة لإبقاء النقطة في مكانها... منصة سكوارسبيس لا تدعم اللغة العربية